الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
469
انوار الأصول
الفصل الرابع عشر إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا ؟ ويمكن أن نعبّر عن عنوان البحث بأنّه إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز على حدّ الاستحباب ، أو لا ؟ واعلم أنّه لم يذكر في كلمات القوم مثالًا من الأمثلة الفقهيّة للمقام ولكن يمكن التمثيل له بقوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » « 1 » حيث يمكن أن يقال بأنّه يدلّ على وجوب الجهاد وإن كان المسلمون من حيث العدد عُشر عدد الكفّار ولكنّه نسخ بقوله تعالى بعده : « الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » « 2 » فإنّه يدلّ على تخفيفه تعالى عن المسلمين ورفع وجوب الجهاد إلّا فيما إذا كان عدد المسلمين نصف عدد الكفّار على الأقلّ ، فيبحث حينئذٍ في أنّه هل يبقى جواز الجهاد أو استحبابه فيما إذا كان عدد المسلمين عُشر عدد الكافرين أو لا ؟ إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المعروف بين المحقّقين عدم بقاء حكم الجواز فضلًا عن الاستحباب ، وهو الصحيح في المسألة ، وذلك لأنّ بقاء الجواز إمّا يستفاد من دليل الناسخ أو من دليل المنسوخ أو من دليل آخر خارج عنهما ، أمّا الدليل الناسخ فلا إشكال في عدم دلالته عليه حيث إنّه دالّ على مجرّد نسخ الحكم فقط لا أكثر وهذا واضح ، وبعبارة أخرى : أنّ لسانه لسان الرفع لا الوضع والإثبات .
--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 65 . ( 2 ) سورة الأنفال : الآية 66 .